١٩‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ٢:٥٥ م

عراقجي: الأمن المستدام يتحقق عبر التعاون والاحترام، لا عبر الطرق العسكرية

عراقجي: الأمن المستدام يتحقق عبر التعاون والاحترام، لا عبر الطرق العسكرية

صرح وزير الخارجية الايراني، السيد عباس عراقجي قائلاً: "نؤمن بأن الأمن المستدام يتحقق من خلال الحوار وبناء الثقة والتعاون والاحترام المتبادل بين دول المنطقة، وليس عبر الوجود العسكري للقوى الأجنبية وفرض إرادتها".

وأفادت وكالة مهر للأنباء، انه ألقى وزير الخارجية الايراني اليوم السبت، كلمة في مؤتمر بعنوان «دعوة إلى تحول عالمي؛ إعادة التنمية إلى صدارة الاهتمام، وإحياء الإنسانية، وإعادة إرساء العدالة في عالم أكثر اضطراباً».

وفي ما يلي كلمة عراقجي:

أصحاب السعادة، الضيوف الكرام، السيدات والسادة،

نجتمع اليوم هنا للحديث عن عنوان لا يعكس التحديات التي نواجهها فحسب، بل يجسّد أيضاً المسؤولية التي تقع على عاتقنا جميعاً: «دعوة إلى تحول عالمي؛ إعادة التنمية إلى صدارة الاهتمام، وإحياء الإنسانية، وإعادة إرساء العدالة في عالم أكثر اضطراباً».

إن العالم الذي نعيش فيه يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى تغيير جذري في المسار؛ إذ تحولت الحرب والتدخل والعقوبات واستخدام القوة، بدلاً من أن تكون استثناءات، إلى أدوات اعتيادية للسياسة. والسؤال الأساسي هنا هو: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ وكيف أصبح النظام الذي أُنشئ لمنع الحرب، ودعم السلام، وصون كرامة الإنسان، وضمان تطبيق العدالة، عاجزاً إلى هذا الحد أمام العدوان وقتل المدنيين والانتهاك الصارخ للقانون الدولي؟

ينبغي البحث عن الإجابة في حقيقة مريرة: فقد أثبتت عقود من التدخل الخارجي والضغوط العسكرية والحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن التدخل العسكري لا يصنع الأمن، كما أن ممارسة الضغط والإكراه لا تقود إلى السلام. وعلى العكس، أصبحت الحرب واحدة من الأدوات الرئيسية في العلاقات الدولية، وأسهمت في استمرار نمط من المواجهة والصراع الدائم.

إن مأساة غزة والجرائم المستمرة التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي تمثل واحدة من أوضح وأفظع تجليات هذا النمط الفاشل. فما يجري في غزة ليس مجرد مأساة إنسانية؛ بل هو اختبار لضمير المجتمع الدولي ومسؤوليته الجماعية. وعندما بقي قتل المدنيين والتهجير القسري والعقاب الجماعي وتدمير البنى التحتية الحيوية من دون مساءلة فعالة، امتد ذلك إلى لبنان أيضاً.

لقد تشكّل الآن نمط خطير، لم تعد فيه القوة العسكرية تُستخدم باعتبارها الخيار الأخير، بل تحولت إلى آلية دائمة لإعادة رسم المشهدين السياسي والأمني في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح العدوان أمراً اعتيادياً، ويترسخ تصعيد التوتر، ويتحول الدمار من نتيجة للحرب إلى أداة لتحقيق الأهداف السياسية. ولم يتوقف هذا المسار عند حدود غزة ولبنان.

ويمكن فهم العدوان العسكري لأمريكا والكيان الإسرائيلي على إيران في هذا الإطار أيضاً؛ إنها حرب غير قانونية وغير عادلة وعدوانية، ولم يسبقها أي تحرك من جانب إيران. وتشكل هذه الحرب جزءاً من نمط أوسع من أعمال العدوان التي تمر من دون عقاب، بما في ذلك حملات الاغتيالات المستهدفة لمسؤولين إيرانيين، والتهديدات الموجهة إلى المسؤولين والشخصيات السياسية، وانتهاك سيادة الدول، والإفلات من العقاب على الأعمال العدوانية. وإذا لم تواجه هذه الأفعال برد فعال من المجتمع الدولي، فإنها ستؤدي تدريجياً إلى محو الخطوط الحمراء التي يضعها القانون الدولي.

ولن تؤدي مثل هذه السياسات إلا إلى مآسٍ من قبيل استشهاد 168 تلميذاً بريئاً في ميناب. فالضحايا الذين يسقطون جراء هذه الجرائم ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات ضحايا الحرب. وراء كل روح فقدت حياتها عائلة، ومستقبل، وحياة كاملة. وهنا تحديداً ينبغي أن نسأل أنفسنا: إلى أي حد؟ ومتى نقول: كفى؟

السيدات والسادة،

إذا جرى تجاهل القانون الدولي عندما تقتضي مصالح القوى الكبرى ذلك، فلا يمكننا بعد ذلك الحديث عن سيادة القانون. وإذا كانت حقوق الإنسان حقاً أصيلاً لبعض الشعوب وامتيازاً مشروطاً لشعوب أخرى، فلا يمكن وصفها بأنها حقوق عالمية. وإذا عجزت المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، عن الوقوف في وجه العدوان ومحاسبة مرتكبي انتهاكات القانون الدولي، فمن الطبيعي أن تتضرر مصداقية هذه المؤسسات وشرعيتها.

لكن الحل لا يكمن في التخلي عن التعددية. بل على العكس، يحتاج عالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعددية حقيقية وفعالة وعادلة. ويتطلب التحول العالمي إرادة سياسية وشجاعة لتغيير المسار الحالي: من العسكرة إلى التنمية المستدامة، ومن التدخلية إلى احترام السيادة الوطنية، ومن العقاب الجماعي إلى حماية المدنيين، ومن المساءلة الانتقائية إلى العدالة العالمية، ومن الحروب التي لا تنتهي إلى سلام مستدام.

إن تغيير المسار هذا ليس خياراً مثالياً؛ بل هو ضرورة. علينا أن ندرك أن لكل حرب تكلفة تتجاوز بكثير ساحة المعركة. فدافعو الضرائب يتحملون التكاليف المالية للحروب، لكن الناس العاديين يدفعون الثمن الأكبر بأرواحهم ودمائهم ومنازلهم ومستقبلهم وأمنهم. إن العالم لا يحتاج إلى جيل آخر من الحروب التي لا تنتهي. ولا يحتاج إلى مزيد من نشر القوات العسكرية. ولا يحتاج إلى مزيد من التدخل وسفك الدماء.

ما يحتاج إليه العالم هو نموذج جديد؛ نموذج تُعد فيه التنمية جزءاً من الأمن، وتُحترم فيه سيادة الدول، ويُطبّق القانون الدولي على الجميع دون تمييز وعلى قدم المساواة، ولا تُقدَّم فيه أي مصلحة سياسية أو استراتيجية أو جيوسياسية على حياة الإنسان.

في الشرق الأوسط، لا يمكن فرض الأمن المستدام من خارج المنطقة. يجب أن يكون أمن المنطقة من صنع دولها نفسها. وينبغي لدول المنطقة أن تكون قادرة على الحوار بشأن أمنها واستقرارها وتنميتها ومستقبلها المشترك، وأن تتوصل إلى حلولها الخاصة من دون تدخل القوى الخارجية.

وبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن هذا ليس مجرد موقف نظري، بل هو نهج نابع من تجربة تاريخية ودرس دفع الشعب الإيراني ثمناً باهظاً من أجله. ونحن نؤمن بأن الأمن المستدام يتحقق عبر الحوار وبناء الثقة والتعاون والاحترام المتبادل بين دول المنطقة، وليس عبر الوجود العسكري للقوى الأجنبية وفرض إرادتها.

أصحاب السعادة،

يقف المجتمع الدولي اليوم أمام خيار تاريخي وحضاري. يمكننا مواصلة السير في المسار نفسه؛ مسار العسكرة والتدخل والمواجهة والحروب التي لا تنتهي. أو يمكننا أن نمتلك الإرادة والشجاعة لتغيير المسار. يمكننا إعادة التنمية إلى صدارة الاهتمام. ويمكننا أن نقدّم كرامة الإنسان على حسابات القوة. ويمكننا إخراج العدالة من دائرة الاحتكار والانتقائية. ويمكننا أن نعيد للقانون الدولي معناه ومصداقيته الحقيقيين.

هذا هو التحول الجذري الذي يحتاج إليه عالم اليوم. ووقته ليس غداً ولا في مستقبل مجهول؛ إنه الآن.

/انتهى/

رمز الخبر 1973955

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha